والجديد في هذا السياق، ما أظهرته اتصالات اليومين الماضيين بشأن الموقف الأميركي من الجيش اللبناني، ولا سيما في ظلّ مواصلة إسرائيل ضغوطها الرامية إلى «إدخال تغييرات كبيرة في بنية الجيش،
سواء على مستوى الضباط أو على مستوى العقيدة القتالية».
فبعد جولة الضغوط التي استهدفت منع الجيش من توصيف إسرائيل كعدو، ثم الدفع باتجاه الانتقال إلى مفاوضات مباشرة على مستوى دبلوماسي،
واصلت إسرائيل ممارسة ضغوط عملية على الجيش لإلزامه بالدخول إلى المنازل وتفتيشها، وهو أمر كان يرفضه في السابق.
وكشفت مصادر مطّلعة لـ«الأخبار» أنّ ما جرى في بلدة يانوح نهاية الأسبوع الماضي هدف إلى تكريس معادلة جديدة لا يزال من غير الواضح إلى أين يمكن أن تقود.
فالأحداث في يانوح تحمل دلالات تتصل بمحاولة اختبار مدى التزام الجيش اللبناني بتنفيذ ما يطلبه الجانب الإسرائيلي. ويعود ذلك إلى اللحظة التي قرّر فيها لبنان رفع مستوى تمثيله في لجنة «الميكانيزم»، وهي خطوة تعامل معها الأميركيون بإيجابية، خصوصاً في ظل غياب أي معارضة جدّية لها.
وقد تعهّد الأميركيون في حينه ببذل جهد كبير من أجل «منع إسرائيل من توسيع هجماتها»، مع التشديد في الوقت نفسه على أنّ الانتقال إلى مسار تفاوضي سياسي لا ينبغي أن يوقف الجيش عن أداء مهمّته الأساسية.
وقالت المصادر، إنّ الجديد في الموقف الأميركي تمثّل في «تفهّم الصعوبات التي يواجهها الجيش في أداء مهمته».
وقد عبّر عن هذا التوجّه كلّ من توم برّاك والسفير الأميركي ميشال عيسى، الذي قال في أكثر من لقاء، إنّه «يجب إعطاء الجيش مهلة إضافية لإنجاز المرحلة الأولى».
وهو كلام سمعه مباشرة رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي استفسر عن سبب غياب أي ضغط أميركي على إسرائيل للقيام بخطوات مقابلة، مثل الانسحاب من إحدى النقاط المحتلّة أو إطلاق سراح أسرى. وكان لافتاً في ردّ عيسى قوله، إنّ «الاهتمام الأميركي ينصبّ حالياً على وقف الحملة على الجيش اللبناني، وإنّ النقاش في المرحلة المقبلة يجب أن يتركّز على استعادة الثقة به».
*رفض السفير الأميركي التعهّد لبري بتنازلات إسرائيلية، لكنّه أبدى تفهّماً لحاجة لبنان إلى فترة أطول لنزع السلاح*
ويرى الأميركيون أنّ استعادة الثقة تبدأ أولاً بـ«مواصلة العمل الذي يقوم به لنزع السلاح جنوب نهر الليطاني، والتعهّد بعدم السماح بانتقال السلاح بين المناطق، والأهمّ قبول الجيش بآلية جديدة لتعزيز عمله».
وهو ما شرحه رئيس الجمهورية جوزيف عون أمام زوّاره، عندما تحدّث عن «توقّف الأميركيين عن توجيه تهديدات إلى لبنان، وظهور إشارات بعدم حصول حرب»، كاشفاً في الوقت نفسه عن «اقتراح أميركي يقضي بتعديل آلية العمل في الجنوب تحت عنوان «آلية التحقّق»،
تقوم على أن يتولّى الجيش التحقّق من أي مزاعم إسرائيلية بوجود أسلحة في منشآت مدنية أو منازل».
وقالت مصادر متابعة، إنّ ما حصل في يانوح «شكّل اختباراً لمدى التزام الجيش بهذه الآلية»، إذ طلبت لجنة «الميكانيزم» من الجيش التوجّه إلى أحد المنازل في البلدة والتحقّق من عدم وجود أسلحة فيه. وبعد الردّ الأوّلي بعدم العثور على أسلحة، رفع العدوّ السقف،
معلناً بصورة علنية نيّته قصف المنزل، قبل أن يعود الجيش، بطلب من اللجنة نفسها، إلى تنفيذ عمليات حفر وتحقّق أوسع، وهو ما أدّى في النهاية إلى إلغاء قرار القصف.
وبحسب المصادر، فإنّ ما جرى هدفه «التأكّد من قدرة الجيش على التوصّل إلى صيغة محدّدة مع الأهالي تتيح دخول المنازل وتفتيشها». وهو ما دفع الأميركيين إلى البناء على هذه الحادثة، واعتبار أنّ هناك فرصة لفرض ما كان الأهالي والجيش يرفضونه معاً سابقاً بذريعة حماية المنازل، وذلك عبر ابتزاز الناس في أرزاقهم وأملاكهم، ولا سيّما في ظلّ تقاعس الدولة عن القيام بدورها في إعادة الإعمار، ومن ثمّ إحراج المقاومة لعدم التحرّك.
ونقل زوّار قصر بعبدا أنّ الولايات المتحدة «أبلغت من يهمّه الأمر بأن تكريس ما يُسمّى «آلية التحقّق» هو السبيل الوحيد لوقف الحملة القائمة في أميركا ضدّ الجيش»،
وأنّ التزام لبنان بها «سيساعد على استئناف التحضيرات لزيارة قائد الجيش للولايات المتحدة، وعلى إعطاء الضوء الأخضر للفرنسيين والسعوديين لدعم الجيش انطلاقاً من اجتماع باريس».
غير أنّ مصادر متابعة لا تستبعد أن تتحوّل هذه الآلية إلى محطة جديدة لرفع مستوى الضغط على الجيش وإلزامه بشروط قد لا يكون لبنان قادراً على تحمّلها.


